حارس الأمن

هادئ لكنه محمل بمعنى لا يخطئه السامع
أيها السادة قبل أن نبدأ الاجتماع هناك أمر أراه أهم من أي بند على جدول الأعمال.
وأشار بيده إليها وكأنه يضعها أخيرا في المكان الذي استحقته طوال عمرها
أود أن أقدم لكم ضيفة اليوم.
تبادلت الوجوه النظرات في صمت متوتر.
بعضهم اعتدل في جلسته.
آخرون أنزلوا أبصارهم.
لم يكن أحد مستعدا لما سيقال ولا لما سيسمعه قلبه قبل أذنه.
اقترب ماركو منها خطوة.
ثم خطوة أخرى.
ووضع ذراعه حول كتفيها.
كانت حركة بسيطة في ظاهرها
لكنها في معناها كانت إعلانا نهائيا
إعلان انتماء.
وإعلان فخر.
وإعلان اعتراف متأخر لكن صادق.
وقال بصوت هادئ لا يحتاج إلى رفعه ليسمع
هل ترون هذه المرأة
توقف قليلا.
كأنه يترك للكلمات أن تجد مكانها.
هذه ليست حارسة أمن فحسب.
هذه المرأة هي قصتي كلها.
حبست نناي ليتا أنفاسها.
شعرت بأن الهواء صار أثقل من أن يدخل رئتيها.
كان قلبها يخفق بقوة لا خوفا بل دهشة.
دهشة أن تقال الحقيقة علنا بعد أن عاشت عمرا كاملا تخفيها.
تابع ماركو وقد بدأت نبرة صوته تحمل أثر الذكريات
حين كنت طفلا كانت تستيقظ قبل الفجر.
لم تكن الشمس قد أشرقت بعد
ولا المدينة قد استيقظت
لكنها كانت هناك تحمل المكنسة وتكنس الشوارع.
ساد صمت أعمق.
ثم تعود إلى البيت لا لتستريح
بل لتغسل ملابس الآخرين.
ملابس لا تشبه ملابسنا
وأحلام

لا تخصها
لكنها كانت تغسلها كما لو كانت تغسل مستقبل ابنها قطعة قطعة.
تغيرت ملامح الجالسين.
بعضهم شد على القلم في يده.
آخر مسح عينيه دون أن يشعر.
قال ماركو
وإن لم يكف ذلك
كانت تخرج إلى عمل ثالث
لأن الأحلام لا تنتظر
ولأن الفقر لا يمنح مهلة.
تنفس بعمق ثم أكمل
لم يكن لديها وقت للتعب
ولا رفاهية الشكوى.
كانت تؤجل نفسها دائما
إلى أجل لم يأت.
ساد صمت يشبه الوقوف احتراما.
صمت لا يحرج بل ينصت.
وقال وقد بدا صوته أكثر هدوءا لكن أثقل وقعا
كانت تفعل ذلك كله كي أذهب إلى المدرسة بزي نظيف.
ليس ترفا
بل كي لا أشعر بالنقص بين زملائي.
كي لا أعود إلى البيت مكسورا لأن حذائي أقدم من أحذيتهم
أو لأن دفتري ناقص الصفحات.
توقف لحظة وكأنه يستعيد صورة بعيدة ثم تابع
كانت تحرص أن يكون كتابي كاملا
ودفتري جديدا
وحلمي سليما لا مكسورا.
كانت تحمي أحلامي
حتى حين لم يكن لديها ما تحمي به نفسها.
ثم رفع نظره إلى الحاضرين ونبرته هذه المرة أشد ثباتا كأنه يضع حقيقة لا تقبل التأويل
واليوم في كبر سنها
كان يمكنها أن تجلس في البيت.
أن تستريح أخيرا.
أن تطلب مني كل ما تشاء
وقد كنت سأعطيها كل شيء دون تردد.
هز رأسه نافيا وكأنه لا يزال غير مصدق وكأن الكلمات نفسها تعود إليه من ذاكرة بعيدة
لكنها لم تفعل.
لم تطلب.
لم تنتظر.
لم تمد يدها يوما رغم أن لها كل الحق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *