النتيجة – 3

لم يكن بريق الذهب الذي ضاع تحت أنقاض المقابر هو الخسارة الأكبر، بل كان الهدوء الذي ظن سيف أنه ناله. الرسالة السويسرية كانت بمثابة حبل مشنقة جديد، لكنه هذه المرة يمتد عبر القارات.
أمضى سيف وكريم أسبوعاً في منزل ريفي منعزل تابع للخالة منى في أطراف المنصورة، بعيداً عن أعين الصحافة التي ضجت بخبر “مجزرة المقابر” واختفاء المحامي الشهير شاكر. كان سيف يقضي ليله في دراسة الملفات التي استطاع إنقاذها، بينما كان كريم يحاول استيعاب حقيقة أنه عاش حياته كلها كـ “كومبارس” في مسرحية أعدتها أمه ونفذها فؤاد.
سيف وهو يشير لشاشة اللابتوب: “بص يا كريم.. الشركة اللي شاكر كان وكيلها اسمها ‘نورديك إنفست’. دي مش شركة استثمار، دي واجهة لغسيل أموال بتديرها عائلات قديمة في أوروبا. وأبوك، ياسين الماردي، مكنش مجرد صاحب أراضي.. ده كان الصندوق الأسود لعملياتهم في الشرق الأوسط.”
كريم بذهول: “وعشان كده أمي كانت خايفة؟”
سيف: “أيوة. أبوك قرر ينسحب ويبلغ عنهم، فصفوه. والورق اللي معانا مش بس عقود ملكية، دي ‘أكواد’ لحسابات مشفرة فيها مبالغ تخلينا نشتري نص شركات القاهرة. هما مش عايزين يقتلونا وبس.. هما عايزين الأكواد اللي متوزعة بين ذاكرتي وذاكرتك.”
كريم: “ذاكرتي أنا؟ أنا معرفش حاجة!”
سيف ابتسم بمرارة: “فاكر الأغنية اللي أمك كانت بتغنيها لك وإنت صغير؟ اللي كانت بتقول إنها كلمات ملهاش معنى؟ أنا سجلتها من ذكرياتك وإحنا في السرداب لما كنت بتخرف وإنت فاقد الوعي. دي ‘شفرة صوتية’ لفتح ملفات سويسرا.”
قرر الشقيقان السفر، ليس هرباً، بل للهجوم. بجوازات سفر استخرجها لهما الأستاذ شاكر (قبل اكتشاف خيانته) كخطة بديلة، وصلا إلى مطار جنيف.
كان في انتظارهما سيارة سوداء فارهة. لم يكن هناك تهديد بالسلاح هذه المرة، بل “بروتوكول” بارد ومرعب. وصلا إلى قصر يطل على بحيرة ليمان، حيث استقبلهما رجل في السبعين من عمره، يدعى “ألكسندر”، كان يتحدث العربية بلكنة شامية دقيقة.
ألكسندر بابتسامة جليدية: “أهلاً بأبناء ياسين.. تأخرتم كثيراً. والدتكم رحاب كانت تظن أن إخفاءكم في أحياء القاهرة الشعبية سيحميكم من قدركم، لكن الدم دائماً يحن لمنبعه.”
سيف جلس ببرود ووضع قدمًا فوق الأخرى: “إحنا مش جايين عشان القدر يا ألكسندر. إحنا جايين نقفل الحساب. إنتوا مدينين لآل الماردي بـ 400 مليون دولار أرباح محتجزة من سنة 1998، بالإضافة لتعويض عن دم أبونا.”
ضحك ألكسندر بصوت عالي: “تعويض؟ إنت في بيت القوة يا سيف، مش في محكمة عابدين. الأكواد اللي معاك ملهاش قيمة لو مخرجتوش من هنا عايشين.”





