النتيجة – 3

. تعالي هنا فوراً!”
دخلت واحدة لابسة لبس عمال النظافة الأزرق الباهت، كانت شايلة جردل وماسكة مساحة، وموطية راسها للأرض..
أول ما رفعت راسها عشان تشوف الطلبات، الزمن وقف بيا..
ندى!
بنت عمي اللي رميتها وقولتلها “اتصرفي”. وشها كان شاحب، وتحت عينيها سواد من السهر والتعب، وإيدها اللي كانت زي الحرير بقت مشققة وناشفة من كتر الكلور والمطهرات. ندى بصت لي، وشفت في عينيها لمعة دمعة محبوسة، كأنها مش مصدقة إن ده أنا، ولا مصدقة إنها واقفة قدامي في المنظر ده.
شيرين مسبتهاش، وقفت في نص الأوضة وشاورت بصباعها بغطرسة:
“بقولك إيه.. الأوضة دي تتمسح بـ “ديتول” مركز خمس مرات قدامي، والكومودينو ده يتلمع لحد ما أشوف وشي فيه. أنا مش عايزة بكتيريا تقرب من ابني.. فاهمة يا شاطرة؟”
ندى ماردتش، بدأت توطي بوجع وتلمع الخشب وإيدها بترتعش. شيرين كملت بسماجة وهي بتمسك “اللانش بوكس” بتاع ياسين وبتاكل منه:
“شايف يا بيبي؟ الأشكال دي بتبقى بطيئة أوي في الشغل. وبعدين إنتي ليه ريحتك منظفات كدة؟ إنتي بتستحمي بكلور؟ ابعدي شوية عني وانتي بتمسحي عشان الريحة بتصدعني.. ريحة فقر بجد!”
حسيت بوجع في صدري، ندى كانت لسه بتمسح بكسرة نفس، بس شيرين كملت وهي بتطلع “عشرين جنيه” من شنطتها وترميها بضهر إيدها على الأرض تحت رجل ندى:
“خدي.. الفلوس اللى بتتباطيى فى الشغل عشان تاخديها هاتي لنفسك كريم للإيد، عشان لما تيجي تنضفي أوض الهوانم بعد كدة إيدك الخشنة دي متجرحش الخشب الغالي.. إنجزي بقى مش فاضيين للبطء ده!”
ندى بصت للعشرين جنيه اللي على البلاط المبلول، وبصت لي.. كانت نظرة “ذل” ممزوجة بوجع قلب عميق. وطت ببطء، مش عشان تاخد الفلوس، عشان تلم جردلها وتمشي. انحنت بوجع وكأن ضهرها هو اللي مكسور من جوا مش مجرد تعب شغل.
وقفت ندى وبصت لشيرين بهدوء ي.، وقالت بصوت مبحوح:
“المكان نضف يا هانم.. والمنظفات اللي ريحتها “تصدعك” دي هي اللي بتخلينا نعيش بكرامتنا وما نحتاجش لحد.. ألف سلامة على ابنك يا أستاذ.”
خرجت ندى بضهر محني، وأنا وقفت زي الندل، مش قادر أنطق بكلمة. شيرين بصت لي وقالت بضحكة باردة: “شوفت الأشكال دي؟ فاكرين نفسهم بني آدمين بجد.. يالا يا بيبي رتب الهدوم في الدولاب”.
بصيت على ندى وهي ماشية في الممر بتمسح دموعها بـ “كم” اليونيفورم الخشن، وعرفت في اللحظة دي إن “العبء” الحقيقي مش ندى.. العبء هو الذنب اللي هيفضل عايش جوايا طول عمري.
بعد ما ندى خرجت، الأوضة بقى فيها سكات تقيل أوي، مفيش غير صوت ضحكة شيرين وهي ماسكة الموبايل وبتقلب فيه ببرود، وكأنها مدستش على كرامة بني آدمة من لحظات. حاولت أتحرك، حاولت أخد نفسي، بس الهوا كان كله ريحة “كلور”.. الريحة اللي شيرين اتريقت عليها، بس كانت هي دي ريحة شرف ندى اللي حافظت عليه، في الوقت اللي أنا ضيعت فيه وصية عمي ولحمي.
فتحت الدولاب عشان أرص الهدوم زي ما شيرين طلبت، بس إيدي كانت بتترعش. قميص ياسين وقع مني، ولما وطيت أجيبه، شوفت “الـ 20 جنيه” لسه مرمية على الأرض، غرقانة في مية المسح.. ندى مخدتهاش. سابتها عشان تلطش كبريائي أنا ومراتي ميت قلم بسكاتها ده.
بصيت لياسين ابني وهو نايم، وجالي رعب فجأة.. يا ترى ذنب ندى ده هو اللي هيدفعه ابني الصغير؟ يا ترى سخونية جسمه دي أول الرسائل

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *