ملك إبراهيم حكاية دنيا وحسن

— حضرتك… ممكن تترافع عني؟ أنا مظلومة، ومليش حد.
لفّ لها. عينه وقعت على وشها المجهد، ملامحها شبهت خيال قديم في دماغه. سألها بهدوء، كأنه بيختبر نفسه:
— اسمك ايه؟
ردت، والحروف طلعت خفيفة: “دنيا”.
سكت، عينه ثبتت عليها ثانية زيادة، سأل تاني:
— اسمك بالكامل؟
قالت: “دنيا مصطفي عماره ” اهلي ماتو وانا صغيرة ومليش غير اخ واحد إسمه حسن ومعرفش طريقه فين.
الهوا في القاعة وقف. المحامي اتنفس بصعوبة، وبص لملف دماغه من سنين، للاسم اللي دَوّر عليه في كل محضر. مد إيده، نبرة صوته اتغيرت، قديمة كأنها راجعة من طفولة:
— دنيا أختي … أنا حسن اخوكي .
عينيها اتوسعت، الشـ,ـفتين رعشوا، والقفص بقى مش فاصل بين زمان وأول اللقاء دلوقتي. دمعتها نزلت قبل ما تنطق، وهو واقف برا القفص، بس إيده اتمدت كأنها بتشدها من الازاز تاني، زي ما كانوا صغيرين.القاضي دخل، ورق في إيده، وعين حسن لسه متعلقة بدنيا كأنه بيحميها من الحكم قبل ما يتقال. اسامي اتندهت، وأحكام نزلت، ودنيا سمعت اسمها: “الحبس ست شهور”. ساقها انقبض، بس عنيها ما سابتش وش حسن.
الجلسة اترفعت، وحسن قرب من القفص، كف إيده لمس الحديد جنب كفها:
— اسمعيني، أنا لما صدقت لقيتك يا دنيا ومش هسيبك تضيعي مني تآني.. هثبت إنك كنتي بتدافعي عن نفسك. وهطلعك منها.
دنيا هزت راسها، صوتها مبحوح: “وأنا صدقتك وأنا صغيرة، وبصدقك وأنا كبيرة”.
بص لها بنظرة طويلة، ودّعها بنظرة فيها وعد من عمر فات، ولف يمشي يجهز ملف البراءة، وفي نيته يسابق الساعات عشان ما تنامش ليلة زيادة وهي محسوبة على حاجة ما عملتهاش.حسن ماسابش الورق تاني. لف على المستشفى، جاب التقرير، لقى الكاميرا اللي تبين زاوية إيد الراجل وهي بتمد عليها ، وجمع شهود من الشارع الخلفي. بعد أسبوعين، القاضي قرا أسباب البراءة ودنيا خرجت،
هي خرجت من باب النيابة، بتشوف حسن مستني، جريت بخطوات مترددة ومسكت إيده، نفس المسكة القديمة وهي طفلة بتعدي الشارع. في اللحظة دي، باب جانبي اتفتح وعسكريين بيجرّوا راجل مكلبش: عمهم جابر . دنيا اتخشبت، حسن شدّ إيده تحميها، والعم رفع عينه، شافهم، حاول يلف وشه وهو مش عارفهم لكن نظرة حسن وقفته. عدى من جنبهم في صمت، الكلبشات بتلمع في ايديه ،
حسن نادي على عمه بصوت عالي وقفه.. إزيك يا عمي.. اوعا تكون مش فاكرني.. انا حسن ابن اخوك ودي اختي دنيا.. اللي سـ,ـرقت فلوسنا زمان وطـ,ـردتنا في الشارع.
العم وقف جنب العسكري، وبص لحسن ودنيا، صوته مبحوح ومكسور:





