ملك إبراهيم حكاية دنيا وحسن

خلص ثانوية، عبد الرحيم باع غويشة لمراته عشان أول قسط في الجامعة، وحسن دخل حقوق. الليالي كانت سهر ومذكرات، والصبح يشتغل في المخازن. لما النتيجة طلعت، عبد الرحيم علّقها على الحيطة بإزاز، ومراته دبحت فرختين ونادت الجيران: “ولدنا كبر وبقى محامي”.
كبر حسن، لبس بدلة ووقف قدام القاضي صوته ثابت وعينه باردة. القضايا كبرت، واسمه بقى يتنده في المحاكم والجرايد. بس قبل كل مرافعة، يبص لفوق، كأنه بيكلم دنيا: “هلاقيكي ، حتى لو السنين عدت اكتر من كده “.
في بيت عبد الرحيم قاعد بيعيد حكاية الوعد انه يرجع لحسن اخته قدام أي حد يزوره، وحسن يعدّي جنبه يطبطب على كتفه ويكمل مشيه. لسه الاسم القديم محفور: دنيا، في أجندة سودا بيدوّر بيها كل أسبوع على مراكز وملاجئ، ومصدّق إن يوم هيسمع الصوت نفسه وهي بتناديه: “أنا هنا يا حسن”.وعد دنيا، السنين مشيت والبيت اللي خدها فضل دافي بس ضيق. ظروفهم حَكمِت، لقمة العيش سبقت الكراسات، فدنيا ما كملتش مدرسة، بتفك الخط بالعافية وتكتب اسمها بمحاية. كبرت، وشّها صافي وعينها هادية، ونعيمة بنت البيت اللي ربّوها بقت عروسة جنبها.
لما سن الجواز دق، العرسان بدأوا يدقوا الباب. أغلبهم جايين عشان دنيا: “سمعنا عن البنت الحلوة اللي عندكم”. نعيمة مؤدبة وبنت حلال، لكن دنيا جمالها سارق العين. أم نعيمة كل مرة تبتسم للضيوف، وبعد ما يمشوا تسيب الباب وتدخل تكتم غيظها. أبو نعيمة يرمي كلمة عابرة: “البيت بيت بنتي، واللي ييجي لنعيمة أهلا، واللي يجي لدنيا…يتفضل يمشي”.
دنيا تحس بالوشوشة، تبعد عن الصالة، وتساعد في المطبخ زيادة، كأنها بتتأسف على حاجة ما عملتهاش. مرة سمعت أم نعيمة بتقول لجارتها : “مصلحة بنتي أهم”. دنيا بلعت ريقها، ودخلت توَضّب أوضة نعيمة، حطت الطرح ع الدولاب ورتبت السرير، وفضلت سرحانة في شباك المطبخ: لو حسن هنا، كان دخل ضحك، وقال “محدش قدك يا دنيا”، ومشي الزعل بكلمة. بس حسن بعيد، وهي كل يوم تشيل شعور إنها ضيفة زادت على أهلها، وتحاول تعوّضه بخدمة صامتة، وعيونها تنام كل ليلة على صورة ولد صغير في خيالها، مش عارفة إن الزمن كبّره وبقى محامي بيدوّر عليها في كل محضر.الليلة دي ام نعيمة ما طوّلتش في اللف والدوران. دخلت على دنيا وهي لسه بتطبق الغسيل، وقفلت الباب وراها:
— كفاية علينا لحد كدا. بنتي عانس جنبك، وكل اللي ييجي يمشي من بابنا عشانك. روحي لحالك بعيد عننا.
دنيا اتجمدت، الغسيل وقع من إيدها: “طب أروح فين؟”





