عقد زواج ابتدايي 2

أمي.. أمي.. الاااا.. ما تسبينيش..أبوس إيدك خديني معاك .. أمي…
اتسعت عينا رامي بشدة وألجمته المفاجأة، وقد سقط قلبه بين قدميه.. وبقى هكذا
للحظات حتى استعاد تركيزه فأراد الاقتراب من نهى لتهدئتها، لكنها صرخت في
وجهه أن يبتعد عنها، وتشبثت بأمها أكثر..
أسرع رامي خارج الغر فة وهو يتنفس بسرعة… لم يتصور أنه في هذا الموقف
والان.. الان بالذات..
أمسك هاتفه ليطلب ريهام التي كانت في استراحة في الكافيتريا الخاصة بمكان
عملها وما أن اجابت هاتفها حتى سمعت صوت أخيها الفزع:
ـ ريهام.. ريهام.. إلحقيني!.
هبت واقفة وقد أصابها القلق الشديد:
ـ ايه يا رامي في ايه صوتك عامل كده ليه؟.
ـ أم نهى ماتت.
للحظة فقدت ريهام الشعور بكل ما حولها وكأنها في عالم صامت وفارغ من كل
شيء وتمنت لو أن أذنيها خدعتاها فقالت:
ـ أنت قلت إيه؟!
ريهام ارجوك تعالي.. أنا في بيت نهى… وحالتها صعبة قوي.. شكلها جالها ـ انهيار عصبي.. تعالي.
أغلق هاتفه لتتسمر ريهام مكانها لثواني قبل أن تحاول قذف الهاتف في حقيبتها
وتسرع مبتعدة وبدًال من سقوط الهاتف داخل الحقيبة سقط أرضاً وقد تركته
صاحبته وفرت مسرعة.
***********
الحلقه الثالثه عشر
دخل يوسف شقته في ميعاده المعتاد، وانتبه سريعا للهدو ء التام للمكان، واندهش
لذلك فلقد كانت ريهام تصل قبله دوماً إلا إذا حدث شيء لتخبره بتأخرها وهذا ما
لم يحدث اليوم بدل ملابسه ودخل المطبخ ليأكل شيئاً .. سريعا حتى تعود ريهام
ولكن الوقت يمر ولم تظهر مما أصابه بالقلق فحاول الاتصال بهاتفها ليفاجئ
بأنه مغلق، فزاد القلق داخله… وسرعان ما تهافتت الخواطر الشيطانية على
رأسه…
هي الاتحترمك أصًلا.. ولا تعتبرك زوجاً.. هذا زواج صوري أم نسيت؟.. عليك
أن تعلمها أن تحترم العقد الذي بينكما مادام هو صحيح أمام الاخرين، وكيف
تجرؤ على تركك هكذا؟.. كيف ستكون صورتك أمام اهليكما إذا اتصلت بهم بحثاً
عن زوجتك؟!!.. التي من المفروض أنها تخبرك بمكانها طوال الوقت..
لكن.. سرعان ما تغلب قلبه على هذه الافكار وقرر أنه يجب أن يقلق عليها..
ماذا لو أصابها مكروه وهو جالس هنا يؤنبها ويلومها؟
هب واقفاً ليحيك الغرفة ذهاباً واياباً ثم قرر االتصال ببيت عمه لترد عليه سامية
وتحيه:
هًلا يوسف اخبارك ايه انت وريهام؟.. مش باينين ليه؟! ـ أ
عقد حاجبيه فلقد أجابته سامية قبل أن يسأل، هي لا تعرف شيء عن ريهام فلم
يشأ إثارة قلقها فقال:
ـ الحمد لله احنا بخير.. أنا بس قلت اطمن عليكم.. و أكيد هنجلكم قريب… وهبقى
اخلي ريهام تكلمك.
طلبت منه أن يأتيا لزيارتهم في نهاية الاسبوع ، فأجابها بنعم وأنهى الاتصال
معها، أراد أن ينهي المكالمة سريعاً قبل أن تطلب محادثة ريهام، وعاد لحركته
التي أصبحت سبيله الوحيد حتى إنه لا يعرف عدد المرات التي دار بها في الغرفة
وأفكاره تنقله من احتمال سيء إلى احتمال أسوأ.. ومن ضرر إلى ضرر.. حتى
كاد أن يصاب بالجنون رفع أرسه للساعة ليجد أنها قاربت على العاشرة مساءا ً فهز
رأسه بعصبية ثم تذكر رامي فأسرع بالاتصال به لكنه جز على أسنانه عندما وجد
أن هاتفه هو الاخر مغلق.. فألقى هاتفه على األريكة قائلا في عصبية واضحة
وهو يمرر أصابعه بسرعة في شعره:
ـ أنا هفضل قاعد كده.. رايح جاي وخلاص!.
قرر أن يرتدي ثيابه مرة أخرى رغم جهله إلى أين سيذهب؟، وقبل أن يدلف لغرفته
سمع باب الشقة يشرع، فالتفت بكل جوارحه ليرى ريهام تدخل وهي تغلق الباب
خلفها ببطء شديد، لم يستطع أن يرى ملامحها فلقد كانت الاضاءة خافتة فقال
وهو في مكانه بلهجة غاضبة وقد ارتاح لعلمه أنها بخير:
كنت فين يا هانم؟!
رفعت رأسها إليه لترى الغضب يكسو ملامح وجهه ونظراته تهاجمها بشراسة لم
يكن لديها القوة لتجيب عليه، فأرادت التحرك للضوء لعل حالتها تجيبه ولكنه لم
يمهلها فقال:
ـ أنا عارف إن احنا مش متجوزين بجد.. بس ده مش معناه إنك ما تحترمنيش
بالطريقة دي.. ولا عاجبك أني اتصل بالناس واسألهم المدام فين.. مش قادرة
تتصلي بيا وتقوليلي أنت فين.. وممكن أفهم تليفونك مقفول ليه؟..
انت مش بتردي
عليا ليه؟!
ظلت ريهام مكانها للحظات وعندما قررت رفع قدمها لاخذ خطوة واحدة خارت
قواها كلها لتهوى أمام يوسف الذي ما أن شعر أنها تفقد توازنها حتى قفز نحوها
في خطوتين فقط ليلتقطها بين ذراعيه قبل أن ترتطم بالارض وهو يناديها بهلع:
ـ ريهام.. ريهام.
لم تكن مالمحها اتضحت بعد فحملها بين ذراعيه وعيناه متعلقة بها بقلق شديد وما
أن دخل بها دائرة الضوء حتى اتسعت عيناه بشدة وهو يرى وجهها الذي فقد
نضارته و ازد شحوباً وعيناها التي مازالت الدموع تناسب منها، أسرع بها لغرفتها
ليضعها على فراشها برقة متناهية وان تمنى الا يفعل
و أرادها بين ذراعيه فترة
أطول، فألاول مرة تكون قريبة منه لهذه الدرجة.. لاول مرة يمكنه استنشاق عبيرها
بعمق.. ولاول مرة سيلمس خدها.. حيث أخذ يربت على خدها بلطف..
مبتسماً لملمس خدها الناعم ثم عقد حاجبيه هامساً لنفسه:
“إيه اللي انت بتهببه ده!.. فوقها علشان تفهم في إيه؟”
عاد يربت على خدها منادياً:
ـ ريهام.. ريهام مالك؟!
لم تجبه مطلقاً فأحضر زجاجة عطر وساعدها على استنشاقها، وأخيرا تحركا
جفناها للحظة قبل أن تفارق بينهما بصعوبة شديدة ليصدم بعينيها الحمراوين وهي
تنظر له ليقول:
ـ ريهام.. أنت كويسة..هو في إيه؟؟.انت عاملة كده ليه؟!
ظلت تنظر له لتقرا على مالمحه شيئاً آخر تماماً عما كان منذ قليل.. رأت الكثير
من القلق والحرص عليها وليس الغضب والضيق الشديد الذي ملا ملامح وجهه
وهو يصرخ في وجهها، أخذت نفس عميق لتقول:
ـ أم نهى ماتت.
فغر يوسف فاه هامساً:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.
فأردفت ريهام بوهن:
ـ جريت عليها لما عرفت الخبر… حالتها كانت صعبة لدرجة إننا وديناها
مستشفى.. حاولت أوصلك لكن تليفوني ضاع مني ما عرفش امتى وازاي…
فضلت معاها في المستشفى.. ورامي وواحد من الجيران اتولوا موضوع الدفن
والجنازة.. في المستشفى قالو ا لي أني ممكن أروح لانها هتنام للصبح.. علشان
كده رجعت لاني تعبت قوي هناك.. وعلشان أقولك اللي حصل.
صمتت والدموع تترقق من عينيها حتى أصبح صوت نحيبها مسموع وهي تتذكر
كيف كانت نهى تدفع الجميع عنها حتى هي…
مرددة كلمة واحدة
“أمي.. أمي”.
شعر يوسف بالاسى من أجلها… أراد أن يمسح دموعها.. أراد أن يحتضن رأسها
في صدره ويواسيها بكلمات حبه لكنه اكتفى بأن ربت على كفها فلم يتوقع أن
تسمح له بأكثر من ذلك وقال:
ربنا يصبرها.. أنت شكلك ما كلتيش حاجة من الصبح علشان كده وقعت.. هقوم
أجيبلك حاجة تاكليها.
هزت رأسها لتقول من بين دموعها:
ـ ماليش نفس… أنا محتاجة أنام شوية وأروح لنهى الصبح بدري.
عقد حاجبيه قائلًا:
ـ لو عايزة توقفي جنب صاحبتك وتساعديها لازم تساعدي نفسك الاول.. ولو ما كلتيش أنا مش هخرجك من هنا.
تأملته للحظة قبل أن تهز أرسها بالايجاب، فقام مسرعاً ليحضر الطعام، تبعته
ريهام بناظريها حتى اختفى، لا تعرف ما هذا الشعور الذي يعتريها ويلح عليها..
شعور بالرغبة في البكاء على صدره… في أن يحتويها بين ذراعيه ويربت عليها..
مما يجعلها تتسائل.. إن كان يحبها حقاً..لم لا ينتهز أي فرصه
ليكون قريب منها
أكثر… هل لو ضمها الان هل يتصور أنها ستدفعه بعيدا عنها؟!… كم تشعر أن ً
يوسف أصبح مهماً بالنسبة لها.. كم ترغب في أن يعاملها كزوجة حقيقية.
عاد لها يوسف بالطعام واللبن الدافيء.. وأصر على أن تتناوله أمامه..
حاولت الابتسام لما يفعله معها.. وتصاعد هذا النداء داخلها.. أنت تحبينه.. ما
تشعرين به الان يؤكد ذلك..
حاولت أن تفصل أفكارها عنها وهي تتناول الطعام…
قال يوسف بصوت خفيض:
ـ آسف إني صرخت في وشك… أنا القلق كان هيقـ,ـتلني.
توقفت عن تناول الطعام ورفعت رأسها إليه لتقول:
ـ ولا يهمك.. أنا اللي آسفة إني قلقتك… ما كنش قصدي… بس ما كنتش قادرة
أبعد عن نهى ثانية واحدة حالتها كانت صعبة جدا.ً ..
ابتسم لها في حنو:
ـ المهم أنك بخير… وان شاء الله نهى كمان تبقى بخير.
تركها لتعاود الاكل ثم وكأنه تذكر شيء:
ـ علشان كده رامي كمان تليفونه مقفول.. هو عرف منين؟.
رامي هو اللي قالي.. فكرتني…أنا لحد دلوقت مش عارفة هو كان في بيت
نهى بيعمل إيه؟!
عقد يوسف حاجبيه ثم أطلق شهقة سريعة، وقد تذكر مكالمة رامي فتمتم:
ـ يا نهار… قلتلها يا رامي ولا ما لحقتش!.
ـ في إيه؟!
سألته ريهام فأشار لها بلا شيء.. وطالبها بإنهاء الطعام.
في اليوم التالي أخذها للمشفى، كانت نهى مستلقية وغارقة في النوم العميق فكلما
أستيقظت بدأت الصراخ والنحيب مما يضطر الطبيب إلى أعطائها جرعه مهدئة
لتعاود النوم..
جلست ريهام إلى جانبها تضم كفها بين يديها، متمتمة بالدعاء لرفيقتها.. بينما
جلس يوسف إلى جانب رامي في الخارج، رامي الذى ارتسم الحزن على وجهه
وصار كملمح ثابت له، كاد الالم أن يمزق قلبه وهو يتذكر صراخ نهى، ففي نفس
الوقت الذي بثها حبه فقدت أعز مخلوقة إلى قلبها، يالها من ذكرى سيئة لن
تفارقها ابدا.. كانت تستمع له بينما أمها تحتضر… كانت تبتسم بجانبه بينما أمها ً
تفارق الحياة.. ستكرهه بكل تأكيد.. لقد تصور أنه سيقترب منها خطوة.. فإذا به
يبعد عنها أميال… لا يعرف ماذا يمكن أن يفعل؟!.. فالوقت لم يعد مناسباً أبدا
لما أراد.. لكنه في نفس الوقت لا يمكنه أن يتركها تتألم وحدها.. كان يعلم أن هذا
اليوم قادم.. فمرض أمها قديم.. وكم تمنى أن يكون معها برغبتها حينها.. لكنه
مازال بعيداً…. وعليه أن يبقى بعيدا من هو بالنسبة لها كي يشاركها مشاعرها؟..
لكنه لن يستسلم.. يجب أن تعرف أنها ليست وحيدة وأنه سيبقى معها..
يجب أن تعرف كم تعني له، وأنه لن يرتاح حتى يعيد البسمة إلى وجهها.
خرج من أفكاره على تربيت يوسف على كتفه:
ـ رامي.. أنت كويس؟.
التفت له بعينين تبرقان بالدموع قائلا:
ـ شوفت حد محظوظ قدي!.
ـ أنت قلتلها ولا ما لحقتش؟.
ـ قلتلها… وطلبت أسلم على والدتها.. وحصل اللي حصل…
ـ كويس أنك لحقت تقولها.. لو كانت سمعت الكلام ده منك بعد وفاة والدتها يمكن
كانت هتعتقد أنها شفقة منك ولا حاجة.
ـ لا مش كويس.. زمانها بتكرهني.
رفع يوسف إحدى حاجبيه:
ـ نعم!.. ليه يا بني بتقول كده؟
ـ حبي ليها كان تمنه حياة أمها!.
نظر له يوسف بدهشة:
ـ إيه يا بني الكلام الغريب ده!… هي ماتت وهي بتقولها جوازك من رامي على
جثتي!.. دي أعمار يا رامي… أعمار.. ما فيش حاجة بتقدمها ولا بتأخرها…
اسمعني يا رامي.. نهى
دلوقت محتاجة لك أكتر من أي وقت تاني… ما
تسيبهاش… حتى لو مش هتقولها ولا كلمة.. المهم تشوفك جنبها دايماً… هيفرق
معاها صدقني.
صمت رامي ولم يعلق.. الكلام سهل.. هكذا يحدث نفسه.. لكن كيف سيكون
التنفيذ.. إنه حتى الان يخشى أن يدخل ليراها.. كم هو خائف من نظرة بغض أو
كراهية قد توجهها له… هناك شعور داخله.. أنه إما أن فرصته معاها ضاعت
للابد… أو أن هناك أمل في أن يملا قلبها الحزين بحبه.. ويجعله مصدر
سعادتها من جديد.
تركه يوسف ليدخل إلى ريهام التي كانت تحتـ,ـضن كف نهى، التفتت له فجلس
على المقعد مشيرا لها فاقتربت منه لتجلس على المقعد المجاور له فسألها: ً
ـ أخبارها إيه؟!
هزت رأسها في أسى:
ـ زي ما هي… ما بتهداش إلا بالحـ,ـقن.
ـ ربنا معاها.
ـ آمين.. مش عارفة لما تقوم بالسلامة هتروح فين؟.. أنا مش عايزاها ترجع شقتها





